القاضي النعمان المغربي

92

تأويل الدعائم

يبخلوا بالزيادة من الفضل على من زكا زرعهم على يديه ونما فضلهم الّذي أودعوه بحسن نظر المودع له وقوله ( صلع ) : إنما يعطى أحدكم جزءا مما أعطاه اللّه فليعطه بطيب نفس عنه ، ظاهره أن من زكى ماله الظاهر فإنما يعطى منه جزءا قليلا من أجزاء كثيرة فينبغي له أن لا يبخل به وليس هو من ماله وأن يعطيه طيبة به نفسه لأن من كان عليه دين فأعطاه كارها لإعطائه كان إثما في كراهية ذلك لأنه كره حقّا واجبا أوجبه اللّه سبحانه ومن كره ما أمر اللّه عز وجل به فقد كره رضوانه لأن من عمل بأمره رضى عنه وقد قال اللّه عز وجل : « ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ » « 1 » وتأويل ذلك في الباطن أن يبذل المفيد من علم أولياء اللّه لمن أمر أن يبذل لهم من المستفيدين عندما يبذله لهم بطيب نفس منه وانشراح إليهم وإقبال عليهم وألا يكون في ذلك فظّا غليظا ولا منانا متكبرا بل يتواضع في ذلك لهم لأن الفضل الّذي يؤتيهم ليس هو من فضله وإنما هو فضل اللّه جل وعز أجراه على يديه لهم ، ومن ذلك قال الصادق جعفر بن محمد ( صلع ) لبعض دعاته : تواضعوا لمن تعلمونه العلم ولا تكونوا علماء جبابرة فيذهب باطلكم بحقكم ؛ وقوله : إنما يعطى أحدكم جزءا مما أعطاه اللّه ، تأويله في الباطن أن المفيد لا يعطى من يفيده جميع ما عنده من العلم الّذي أعطاه اللّه عز وجل إياه كما لا يعطى في الظاهر المتزكى جميع ماله لأن المفيد لو فعل ذلك لم يكن له على المستفيدين منه فضل وقد جعل اللّه عز وجل للمفيدين فضلا على المستفيدين ، وقال وهو أصدق القائلين : « وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ » « 2 » ، وقال : « انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ » « 3 » فالمفيد إنما يعطى من يفيده من المستفيدين منه بعض ما أعطاه من أفاده ممن هو فوقه ، وبذلك جرت سنة اللّه وحكمته في عباده في الظاهر والباطن ، وإنما يعطى الإنسان في الظاهر من ماله من يسأله ويصل من يصله ويتصدق على من يتصدق عليه ببعض ما في يديه ، ولا يجوز له أن يخرج من ماله كله ويبقى فقيرا يحتاج أن يسأله غيره . ويتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه ( صلع ) أنه قال : ما هلك مال في برّ ولا بحر إلا بمنع الزكاة فحصنوا أموالكم بالزكاة وداووا مرضاكم بالصدقة واستدفعوا البلاء بالدعاء وهذا في الظاهر كذلك يكون لمن أخلص عمله

--> ( 1 ) سورة محمد : 28 . ( 2 ) سورة الزخرف : 32 . ( 3 ) سورة الإسراء : 21 .